الدكتورة هويدا عزت

: الضابط الأخلاقي أساس العلاقة بين الزوجين

بقلم : د.هويدا عزت

الدكتورة هويدا عزت ... باحثة وكاتبة في العلوم الإنسانية وفلسفة الإدارة

 

الإنسان كائن اجتماعي يحتاج من خلال علاقاته بالآخرين إلى الحب، والانتماء، والتقدير، التي تضيف إليه الشعور بالسعادة والراحة النفسية والأمان، وتساعد العلاقات الأسرية الجيدة على الشعور بالأمان والحب كما أنها تساعدك على الشعور بالرضا أيضًا.

 لذا يحرص الأشخاص الناجحون على تعلم مهارات التعامل مع الناس وتطبيقها في حياتهم، وذلك لأن البشر مختلفون ومتنوعون، وأن قدرة الشخص على التعامل مع الآخرين تحتاج إلى معرفة هذه المهارت.

فكيف إذا كان هذا التعامل بين الزوجين "أقوى علاقة اجتماعية"، وأكثر علاقة تحتاج إلى إتقان فنون التعامل، حتى تحقق الحياة الزوجية أهدافها.
 فالزواج ليس علاقة مؤقتة، بل دائما أساس بقاءها واستمرارها السكن، والمودة، والرحمة بين الزوجين، يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم/ 21).

وقد اجمعت عدد من الدراسات النفسية والاجتماعية على أنه لا يكاد يخلو بيت من المشاكل الزوجية والأسرية، واتفقوا على أنه إذا افتقرت العلاقة الزوجية بين الطرفين إلى المودة والرحمة فإن العلاقة الزوجية  تصبح مهددة بالانهيار في أي لحظة.

إن الأصل في الطلاق أنه مكروه، إلا أن الاحصائيات تشير إلى الزيادة كبيرة في نسب الطلاق، خلال السنوات الأخيرة، ولم يتفق خبراء علم النفس والاجتماع حول أسباب ارتفاع نسب الطلاق والانفصال في العديد من الدول إلا أن البعض يرجع أسبابها إلى ظروف اقتصادية، ومادية، وعدم تحمل الزوجين أعباء المعيشة،
ويرى آخرون أن هناك أسباب معنوية وراء الطلاق كشفت عنها العديد من الدراسات، منها أن البعض ما يزال لديه مفاهيم خاطئة حول هذه العلاقة الزوجية؛ اذ يعتقدون أن زواج الفتاة هو إلحاقها تبعيا للزوج، وإلغاء شخصيتها، وأن مثل هذه السلوكيات تعني "الرجولة".

ويقول مايكل روزنفيلد خبير علم النفس في الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع، من خلال دراسة  قام بها، إن هناك أسبابًا كثيرة تجعل المرأة تطلب الطلاق بشكل مستمر، منها عدم قدرة الرجال على الإحساس بهن خلال لحظات التعب والحزن، وأن الزوج غير قادر على قراءة أفكارهن، موضحًا أن أغلب النساء ممن طلبن الطلاق كن يرغبن في الشعور بقيمتهن عند الزوج فقط.

وأوضح أن عدم اهتمام الزوج بالزوجة من خلال شراء الهدايا واصطحابها للتنزه ورعاية الأطفال معها يجعلها تشعر بالرغبة في تركه والانفصال عنه، وبالتالي تطلب الطلاق منه في أي مشاجرة بينهم مهما كانت تافهة.

وتتفق هذه الدراسة مع ما وصلت إليه إحدى صدقاتي في إلحاحها في طلب الطلاق بعد زواج استمر 15 سنه أثمر عن انجاب 5 أطفال، فزوجها لا يشعر، وانه يفتقر إلى الحنان "لديه الفقر العاطفي"، ولا يجيد الكلام الحلو ولا يحنو عليها، الأمر الذي جعلها تبكي دائمًا، والأمر الذي انعكس على علاقتهم الزوجية وأثر على نفسيتها وصحتها.

 وأخرى تقول أنها طلقت من زوجها بعد إنجاب 3 أطفال لأنه ألغى شخصيتها وهمشها، وأنها في بداية حياتهم الزوجية كانت شديدة الإعجاب بشخصيته، وكم هي سعيدة بأن هذه الشخصية القوية اختارها دون عن باقي النساء، كما كانت تعتقد أن الخضوع لرغباته أنها بذلك تحمي الأسرة من الانهيار، إلا أنها لم تجد أمامها سوى التبعية له، مما أوقعها في العديد من المشكلات، والهموم، والأحزان، ثم حاولت التأقلم مع أطباعه ورغباته”، وأنها لا تريد إنهاء الارتباط إلا أنها تفاجأت مع مرور الوقت، بأنها ليست لها شخصية مجرد آله يوجهها زوجها ليس عليها إلا تنفيذ ما يطلبه منها، الأمر الذي أشعرها بالاختناق وجعلها تعيش بشخصية وأطباع بعيدة كل البعد عنها.

وهذه أخرى تزوجت من أول شخص طرق باب بيتها بعد أن تجاوزت الـ ٣٠ من عمرها حتى لا يقول الناس عنها أنها عانس، فطلقت بعد أقل من عام من زوجها، واصفة زوجها بأنه دائم جرح مشاعرها خصوصًا أمام الآخرين.

وأشارت نتائج دراسة حديثة أجريت من قبل الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع على أكثر من 2000 من الأزواج باختلاف أعمارهم، حول أسباب طلب المرأة للطلاق إلا أن السبب الرئيسي لطلب المرأة للطلاق وفقًا للنتائج هو اكتشافها أن الزوج خائن، وهذا يجعلها تشعر بالوحدة وعدم وجوده معها في الحياة وتفضل طلب الطلاق.
وفي هذا يقول شوقي إبراهيم علام  مفتي الجمهورية أن الحقوق المترتبة  بين الزوجين  يغلب عليها الضابط الأخلاقي، لأن العلاقة بين الزوجين لا يستطيع أن يضبطها القانون، لكن الأخلاق هي من تضبط هذه العلاقة.

 لا شك أن الحياة الزوجية بحاجة إلى قدر كبير من التفاهم، فالزوجان علاقتهما تكاملية، وليست ندية.

 كما خص الله الزوج بالقوامة، ليكون مصدر الأمن والدفء والإشباع العاطفي، وليس للتسلط والقهر، وخص الله الزوجة بالعاطفة القوية؛ لتكون مصدر الحنان والأمان الأسري.
إن الفطرة السليمة للرجل والمرأة  تحتم عليهما أن يحترم كل منهما الآخر، وعندما تجد الزوجة في زوجها المودة والرحمة والقوامة التي تشعرها بالأمان، فإنها لا تبالي بأي شيء آخر مادي أو اقتصادي، بل  تضحي من أجل استمرار هذا الارتباط المقدس، وتصبر، وتكون لزوجها خير معين في الدنيا.