تدابير اقتصادية خفية

بقلم : أيمن حسين

يمر الاقتصاد العالمي بأحلك أزمات العصر الحديث جراء تفشي فيروس كورونا المستجد في أنحاء العالم، إذ فرض عزلة
إجبارية على الدول والشعوب والحكومات، لم تستطع أدمى الحروب فعلها، وهوى بأسعار النفط إلى أقل من 30 دولارا
ليضرب الدول المنتجة للطاقة، وقيد حركة التجارة العالمية، وأجهض خطط النمو، وكسر مسالك الاستدامة التنموية
والاقتصادية، وسيسحب التركيز على قطاعات الصحة والأدوية خلال السنوات القادمة، وما أن ينتهي العالم من مجابهة هذا
الوباء إلا وستكون اقتصاداتها هزيلة، وميزانيتها منهارة، ومدفوعاتها متدنية، ويكتسي الاقتصاد بالديون، ويختلط النمو
بالخمول.
الأسبوع الماضي أعلن المصرف المركزي الأوروبي عن حزمة من المساعدات المالية بقيمة 750 مليار يورو للتخفيف من
وقع وباء الفيروس على أوروبا، تحت مسمى “الشراء الطارئ”، وستكون الركيزة الأساسية للمساعدات هي شراء ديون
الحكومات والشركات في منطقة اليورو، بما فيها اليونان وإيطاليا، بحسب ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية.
إن الاقتصاد العالمي تتركز قواه في أربعة أجنحة الأولى هي الولايات المتحدة الأميركية، وثانيها الصين، وثالثها أوروبا،
ورابعها دول إنتاج الطاقة، وظلال أزمة كورونا بدأت في الصين واستمرت لما يقرب من 4 أشهر، وما زالت الصين لم
تتعافَ بعد، بينما قبعت أوروبا تحت وطأة الوباء، ووقعت في براثن انتشاره، وأصبحت البؤرة المركزية لتفشيه، وفي المقابل
هوت أسعار النفط منذ مطلع هذا العام من نحو 60 دولارا للبرميل الواحد إلى أقل من 30 دولارا، فاختلت ميزانيات الدول
المنتجة بسبب اضطراب أسعار تعادل الميزانية التي أقرتها مع الأسعار الجديدة.
بالنظر إلى المجموعتين الأوروبية والنفطية نجد أنها ستخسر الكثير من سيولتها المالية يدفعها إلى السحب من الاحتياطات
النقدية، وفي نفس الوقت جففت عزلة كورونا من تدفق العملات الأجنبية إليها، ونمو صادراتها، وحاصرت مواردها
الرئيسية، وقد يلجأ بعضها إلى سياسة الاقتراض وملء جدول ديونها بمبالغ جديدة لإنعاش الأسواق الداخلية وتوفير
المتطلبات الأساسية للشعوب، وكلتاهما غير قادرة على تشكيل أي كارتل اقتصادي فاعل للمواجهة، فالاتحاد الأوروبي
ومنظمة الأوبك فقدا السيطرة الفعلية على الدول الأعضاء في الأزمة.
على الجانب الآخر سيكون جناحا أميركا والصين أقل تأثرا، فالأولى تمسك بزمام المواجهة جيدا وتستفيد من خبراتها
التراكمية، وفي نفس الوقت لديها قيادة سياسية رأسمالية قادرة على تعظيم المردود الاقتصادي حتى في وقت الأزمات؛ بينما
الثانية تقبض على سوق إنتاج الأدوات الطبية، ولديها المرونة للتكيف مع المتطلبات الإنتاجية بسرعة كبيرة؛ لكن يبدو أنها
ستخوض حرب استنزاف لمقدراتها الإنتاجية في الأدوات الطبية.
بالعودة إلى المصرف المركزي الأوروبي، فإن محافظته هي الفرنسية كريستين لاجارد والتي تنحدر من أصول يهودية
ولديها ميول وتوجهات صوب القوى العظمى، وحنين تجاه السياسات الاستعمارية، وما يدور في كواليس الاقتصاد العالمي
غير معلن، والكثير من حكومات وشعوب الأرض لا يدركون مخاطره، وإن كان المصرف خصص 750 مليار لشراء
الأصول الأوروبية، فإن لاجارد أعلنت أن نطاق المساعدات “لا حدود له”؛ وهو ما ينبئ بنمو عمليات شراء الأصول، بل
وربما تضاعف المبالغ المرصودة، ومن ثم الإمساك بعجلة القيادة الاقتصادية في أوروبا وتوجيهها، إضافة إلى أن لاجارد
كانت تتولى رئاسة صندوق النقد الدولي ولديها البيانات والتاريخ التراكمي في إدارة الأزمات الاقتصادية بالدول الأخرى،
خصوصا في منطقة الشرق الأوسط،؛ بل يمكنها اتباع سياسة إخضاع الأصول في غالبية الدول غير الفاعلة إلي المؤسسات
المالية، سواء صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، بل وربما تجد آلية ليكون المصرف الأوروبي له القدرة على شراء
الأصول في دول أخرى خارج منطقة اليورو.
إن زيادة مخاوفي من المخاطر الاقتصادية مرهونة بإفرازات الأشهر القليلة المقبلة، فإذا استمرت سياسة إنهاك الاقتصاد
الصيني، وفي نفس الوقت انحدر مؤشر أسعار الطاقة إلى مستويات أقل، وتراجعت العملة الأوروبية مقابل الدولار، فإن
الاقتصادات المتوسطة والضعيفة ستعاني الكثير، وتفقد السيطرة لتدني نواتجها القومية بسبب توقف السياحة، وجمود
التجارة، وتراجع التصنيع، وفي نفس الوقت ستتعملق القوى المسيطرة التي تدير المشهد.. ووجب أن أذكر أن وجهة نظري ـ
إن صحت ـ هي مجرد مفردة اقتصادية واحدة من مفردات عديدة تدور في الخفاء ستتكشف عوراتها بمضي الأيام.

أيمن حسين
صحيفة الوطن العمانية